ابن حمدون
17
التذكرة الحمدونية
وعجم الاختبار عودها ، فبرزت من سرّ الشّوحط وصميمه ، أو عريق الأبنوس وقديمه ، تختال من بدع الاختراع ، وعناية الصناع ، بين تناسب الطول واعتداله ، واقتصاد العرض وكماله ، جدوليّة العطفين ، هلالية الطرفين ، مسكيّة الجلدة ، كافورية الحلية ، فسيحة الأحشاء ، مهفهفة الأعضاء ، فهي من نبذ بلقتها ، وو شائع حليتها : [ من الخفيف ] كشباب مجاور لمشيب أو ظلام موضّح بنهار أضمرت آلة النهى فهي كالقل ب وما تحتويه كالأفكار تظأر من ذخائر السّحاب ، وودائع التراب ، كلّ معتدل الكعوب ، قويم الأنبوب ، باسق الفروع ، رويّ الينبوع ، نقيّ الجسد ، نازح العقد ، مختلف الشيات ، متفق الصفات ، مما عنيت الطبيعة بتربيته ، وتبارت الدّيم في تغذيته ، فأظهرته كالجوهر المصون ، أو اللؤلؤ المكنون ، ملتحف الأجساد ، بمثل خوافي أجنحة الجراد ، إلى أن سبته الرغبة من معادنه ، واجتباه التخير من مواطنه ، فصار أولى باليد من البنان ، وآنس بخفيّ السر من اللسان ، تناط الأمور بنباهته ، وتقدح الآراء من فطنته ، موثوق به خؤون ، متهم مأمون ، مبيد مفيد ، كتوم نموم : [ من الطويل ] يدافع في الجلَّى بغير استطاعة ويفصح في النجوى بغير بيان موات فان ألقى به الرأي رحله حماه بأمضى خاطر وجنان تحكم في مهجته ، وتسطو بذروته ، ذات غرار ماض ، وذباب قاض ، ومنسر بازيّ ، وجوهر هوائي ، ونصاب زنجي . حتى إذا أرهفت غراريه ، ونحتت روقيه ، ناطته بمستدير الجسم ملمومه ، مطَّرد القدّ مستقيمه ، ذي جسد بجراحها مكلوم ، وجلد بآثارها موسوم : [ من البسيط ] في كلّ عضو له من وقعها ألم وليس ينجع فيه ذلك الألم